الأخفش

50

معاني القرآن

وقوله وكنتم أموتا فأحيكم ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم [ الآية 28 ] فإنما يقول كنتم ترابا ونطفا فذلك ميت ، وهو سائغ في كلام العرب . تقول للثوب : « قد كان هذا قطنا » و « كان هذا الرطب بسرا » . ومثل ذلك قولك للرجل : « اعمل هذا الثوب » وإنما معك غزل . هذا باب من المجاز « 1 » وأما قوله ثمّ استوى إلى السّماء فسوّاهنّ [ الآية 29 ] وهو إنما ذكر سماء واحدة ، فهذا لأن ذكر « السماء » قد دل عليهن كلّهنّ . وقد زعم بعض المفسرين أن « السماء » جمع مثل « اللبن » . فما كان لفظه لفظ الواحد ومعناه معنى الجماعة جاز أن يجمع فقال سواهن فزعم بعضهم أن قوله السّماء منفطر به [ المزمّل : الآية 18 ] جمع مذكر ك « اللّبن » . ولم نسمع هذا من العرب والتفسير الأول جيد . وقال يونس « 2 » : السّماء منفطر به [ المزمّل : الآية 18 ] ذكر كما يذكر بعض المؤنث كما قال الشاعر : [ المتقارب ] 31 - فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها « 3 »

--> ( 1 ) المجاز : هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له من معنى ، لعلاقة بين المعنى الأصلي والمعنى الفرعي . والمجاز من الجواز أي التعدي مثل : جزت موضوع كذا أي تعديت ، وجوّزت في كلامي أي تكلمت بالمجاز ، وهو عكس الحقيقة يفهم القصد منه بالقرينة ، إذ اللفظ فيه مستعمل في غير ما وضع له أصلا ، مثل : بسم الفجر . فقد استعملت لفظة : بسم بغير معناها الأصلي فدلّت على الإشراق ، كما هناك من شبه بين الابتسام والإشراق . ومثل : صافحت بحرا ، أي : كريما وجوادا . قال ابن جني : إنما يقع المجاز ويعدل إليه عن الحقيقة لمعان ثلاثة ، وهي : الاتساع والتوكيد والتشبيه . فإذا قلت مثلا : بنيت منزلا ، فهذا كلام حقيقي ، أما إذا قلت : بنيت له في قلبي منزلا ، فهذا مجاز واستعارة لما فيه من الاتساع والتوكيد والتشبيه . وكما في قوله تعالى : واسأل القرية [ يوسف : 82 ] ، فيه المعاني الثلاثة ، أما الاتساع فلأنّه استعمل لفظ السؤال مع ما لا يصح في الحقيقة سؤاله ، وأما التشبيه فلأنها شبهت بمن يصح سؤاله ، وأما التوكيد فلأنه في ظاهر اللفظ إحالة بالسؤال على من ليس من عادته الإجابة . ( 2 ) يونس : هو يونس بن حبيب ، تقدمت ترجمته . ( 3 ) البيت لعامر بن جوين في تخليص الشواهد ص 483 ، وخزانة الأدب 1 / 45 ، 49 ، 50 ، والدرر 6 / 268 ، وشرح التصريح 1 / 278 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 339 ، 460 ، وشرح شواهد -